السيد محسن الأمين

20

أعيان الشيعة ( الملاحق )

جرائد بيروت في هذا العام . . ويعلق السيد الأمين على هذا الكلام بقوله : هذا التهويل وتكثير الأسجاع لا يفيد شيئا كما يكتب بعد إيراد جمل طويلة وحجج مسجوعة ومردودة : كلام شعري . . « 1 » للدلالة على افتقارها للمنطق الجدلي واعتمادها على البلاغة اللفظية . كان لرسالة التنزيه صدى واسع على أكثر من صعيد ، ويذكر السيد الأمين في كتابته لسيرته « 2 » طرفا من أثر هذه الرسالة في نفوس بعض الناس ، حيث يقول : قام لها ( أي الرسالة ) بعض الناس وقعدوا ، وأبرقوا وأرعدوا وجاشوا وأزبدوا وهيجوا طغام العوام والقشريين ممن ينسب للدين فذهب زبدهم جفاء ومكث ما ينفع الناس في الأرض والواقع أن الرسالة حركت في المجتمع الذي قذفت فيه ، دوائر عديدة ، وانقسامات في المستوي الشعبي والديني والسياسي ، كما تركت بصمات في التعبير الأدبي والشعري . إن أبرز ما في محاولة السيد الأمين الاصلاحية ، هو مجابهته للعامة في نقطة أساسية من معتقدها الديني المتحول إلى سلوك طقسي عاطفي ، يحل محل العقل والتاريخ ، معا ، مجموعة من السير والعادات ، يختلط فيها ، كما سبق وذكرنا ، إسقاط الماضي على الحاضر برغبات دفينة وغامضة في التكفير والاحتجاج . . وذلك بواسطة الحشد وتعذيب الذات . لذلك فان التصدي لمثل هذه الظاهرة ، لم يكن يعوزه عنصر المغامرة « 3 » على حد قول حسين مروة . إن أول ردة فعل شعبية على دعوة التنزيه كانت مزيدا من التمسك بالشعائر الحسينية ، في وجهها التمثيلي والتنكيلي على وجه الخصوص . فقد قابلت النجف وسائر المدن الأخرى . . دعوة السيد محسن برد فعل قوي شديد ظهر أثره في أول شهر محرم ، جاء بعد الفتوى . فقد ازداد عدد الضاربين بالسيوف والسلاسل وازداد استعمال الطبول والصنوج والأبواق وكثرت الأهازيج والأناشيد التي تتضمن النقمة والتحدي لتلك الحركة الاصلاحية . « 4 » وإذا كان الجمهور العام قد وقف هذا الموقف الرافض من فتوى اجتهادية لا تملك من وسائل فرضها عليه سوى قوة منطقها الداخلي . . فان هذا الجمهور قد تصدى لمن يملك أكثر من المنطق الداخلي في إيقاف المراسم الحسينية . . تصدى لبعض الحكومات في إيران والعراق ، حين حاولت منع قيام تلك المراسم أو قمعها على الأقل « 5 » ووصلت المعارضة الشديدة من جانب الجمهور في بعض الأحيان إلى حد الاصطدام المسلح مع قوى الأمن وسقوط الجرحى . « 6 » والواقع أن المعارضة الشعبية لدعوة السيد محسن الأمين ، قد بلغت حدا من الهياج دفع بعض مناصريه إلى الكتابة إليه يرجونه لسحب الرسالة من المكتبات وإخفائها عن العيون « 7 » خوفا على شخصه من التعرض للأذى . 20 كما شاع على ألسنة الناس بيت من الشعر . وقد حفظناه ونحن صغار السن ، من ألسنة العامة ، وما زال بذاكرتنا حتى اليوم دون أن نعرف قائله أو كلماته بالضبط . فالتطرف الشعبي وصل إلى حد إخراج السيد الأمين من الدين « 8 » وإلى التعرض لمؤازريه بالضرب والتهديد فكثر الاعتداء على الأشخاص ، وأهين عدد كبير من الناس وضرب البعض منهم ضربا مبرحا . . « 9 » كما يروي السيد جعفر الخليلي ، وهو من مؤازري السيد الأمين في النجف الأشرف ، أنه كان يجد في كثير من الأحيان رسالتين أو أكثر قد ألقي بها تحت الباب وتتضمن إلى جانب التهديد بالقتل شتائم عجيبة غريبة « 10 » فكان يسرع إلى التقاطها وإخفائها عن والدة ملتهبة العاطفة تخشى عليه الأذى إذا عرفت بالرسائل على حد قوله . والواقع أن التصدي لمثل هذا الحشد الشعبي الهائل « 11 » كان لا بد أن يلاقي هذا النوع من ردود الفعل لا سيما أن التعامل مع هذه الكتلة ( البشرية الدينية ) لم يكن تعاملا فقهيا فحسب ، بل كان تعاملا سياسيا واجتماعيا كذلك . « 12 » وقد وقف إلى جانب الشيخ صاحب ( سيماء الصلحاء ) عدد من رجال الدين ، منهم السيد عبد الحسين شرف الدين ، والسيد نور الدين شرف الدين - والشيخ عبد الله سبيتي ، والشيخ مرتضى آل ياسين . أما الصف الآخر المؤيد للسيد الأمين ، فقد ضم عددا من رجال الدين في جبل عامل ، كان أبرزهم الشيخ أحمد رضا ( رجل الدين واللغوي والمؤرخ المعروف ) والشيخ سليمان ظاهر ( رجل الدين والشاعر المعروف ) وكلاهما من النبطية . . ولكن هذه العاصفة التي انطلقت من دمشق ، ثم من جبل عامل . . تعدت بآثارها حدود هذين القطرين ، وصولا إلى كافة أرجاء العالم الإسلامي الشيعي المعروف آنذاك . فقد ظهر لها مؤيدون في العراق أمثال السيد أبو الحسن الأصفهاني ، والشيخ عبد الكريم الجزائري والشيخ علي القمي ، والشيخ جعفر البديري ، والسيد مهدي القزويني والسيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني . كما ظهر لها مؤيدون في الهند ، فكان ممن أيد الدعوة بحماسة ، الكاتب الهندي ( محمد علي سالمين ) صاحب جريدة ( ديوائن ميسج ) التي تصدر في بومباي باللغة الإنكليزية ، فكتب مقالا نشر باللغة العربية ، وكان للصحافة كذلك دور واسع في تحريك هذه الظاهرة ، فكتبت مقالات عديدة ، بعضها باسم مستعار ، مع السيد الأمين ، وبعضها ضده . فكتب اثنان من أنصاره ، وقع أحدهما مقاله بتوقيع ( حبيب بن مظاهر )

--> ( 1 ) المصدر نفسه ص 22 . ( 2 ) الأمين ، محسن . سيرته بقلمه . . ص ص 76 - 77 . ( 3 ) الأمين ، محسن . سيرته بقلمه . . ص 207 . ( 4 ) المصدر نفسه ص 117 . . كذلك فقد ازداد الهياج عند الجماهير وازداد تمسكها بالتظاهر والضرب بالسيوف في النبطية والقرى لها ( حلقة دراسية حول عاشوراء . . ص 42 ) . ( 5 ) المصدر نفسه ( حلقة دراسية . . ) ص 19 وما بعدها . ( 6 ) المصدر نفسه ( حلقة دراسية . . ) ص 19 وما بعدها . ( 7 ) الأمين ، محسن . سيرته بقلمه . . . ص 119 وما بعدها . ( 8 ) انظر ما يقوله السيد في سيرته عن بعض معارضيه : . . لقد أشاعوا في العوام أن فلانا حرم إقامة العزاء بل زادوا على ذلك أن نسبونا إلى الخروج عن الدين ص ص 76 - 77 من سيرته . . . ( 9 ) المصدر نفسه ص 116 . ( 10 ) المصدر نفسه ص 116 أيضا . ( 11 ) يذكر فريدريك معتوق في حلقة دراسية حول عاشوراء ص 84 أن عدد المشاهدين عام 1973 بلغ ستين ألفا وأنه عام 1974 قارب الثمانين ألفا ولا شك أنه في الثمانين فاق المائة ألف مشاهد . . ( 12 ) مما يذكر أنه ألفت رسائل فقهية مع التنزيه وأخرى ضدها . فقد ألف الشيخ عبد المهدي المظفر في البصرة رسالة ضد التنزيه سماها إرشاد الأمة للتمسك بالأئمة كما ألف الشيخ محمد الكنجي رسالة معها هي رسالة كشف التمويه عن رسالة التنزيه . . انظر الأمين ، محسن . سيرته بقلمه وأقلام آخرين . ص 122 وحاشيتها .